ابن الزيات
259
التشوف إلى رجال التصوف
ومنهم : « 162 » - أبو مدين شعيب بن حسين الأنصاري أصله من حصن قطنيانة من عمل إشبيلية ، ثم نزل ببجاية وأقام بها إلى أن أمر بإشخاصه إلى حضرة مراكش . فمات وهو متوجه إليها بموضع يسّر عام أربعة وتسعين وخمسمائة وقيل : عام ثمانية وثمانين . ودفن بالعباد خارج تلمسان . وذكره الشيخ أبو الصبر أيوب بن عبد اللّه الفهري . فقال : كان زاهدا ، فاضلا عارفا باللّه تعالى . قد خاض من الأحوال بحارا ونال من المعارف أسرارا وخصوصا مقام التوكل لا يشق فيه غباره ولا تجهل أثاره ، وكان مبسوطا بالعلم ، مقبوضا بالمراقبة كثير الالتفات بقلبه إلى اللّه تعالى حتى ختم اللّه له بذلك . ولقد أخبرني من أثق به ممن شهد وفاته أنه قال : رأيته عند آخر الزمن يقول : اللّه الحق . حدثني محمد بن إبراهيم بن محمد الأنصاري قال : سمعت أبا مدين يحدث ببدء أمره ويقول : كنت بالأندلس يتيما . فجعلني إخوتي راعيا لهم لمواشيهم فإذا رأيت من يصلى أو من يقرأ أعجبني ودنوت منه ، وأجد في نفسي غمّا لأننى لا أحفظ شيئا من القرآن ولا أعرف كيف أصلى . فقويت عزيمتي على الفرار لأتعلم القراءة والصلاة . ففررت ، فلحقني أخي وبيده حربة . فقال لي : واللّه لئن لم ترجع لأقتلنك ! فرجعت وأقمت قليلا ثم قويت عزيمتي على الفرار ليلا فأسريت ليلة وأخذت في طريق آخر . فأدركني أخي بعد طلوع الفجر . فسل سيفه على وقال لي : واللّه لأقتلنك وأستريح منك ! فعلانى بسيفه ليضربنى . فتلقيته بعود كان بيدي فانكسر سيفه وتطاير قطعا . فلما رأى ذلك قال لي : يا أخي اذهب حيث شئت . فذهبت إلى البحر وعبرت إلى طنجة ؛ ثم ذهبت إلى سبتة . فكنت أجيرا للصيادين . ثم ذهبت إلى مراكش . فدخلتها وأدخلني الأندلس معهم في جملة الأجناد . فكانوا يأكلون عطائي ولا يعطوننى منه إلا اليسير . فقيل لي : إن رأيت أن تتفرغ لدينك فعليك بمدينة
--> ( 162 ) من مصادر ترجمته : الاستقصا 2 / 212 ، شجرة النور ، ص 164 ، نفح الطيب 7 / 136 .